العيني
112
عمدة القاري
أفضل من الأذان ؟ قلت : إنما يهرب من الأذان حتى لا يشهد بما سمعه إذا استشهد يوم القيامة ، لأنه جاء في الحديث : ( لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة ) . والشيطان أيضا شيء أو هو داخل في الجن ، لأنه من الجن . فإن قلت : إنه يدبر لعظم أمر الأذان لما اشتمل عليه من قواعد الدين وإظهار شعائر الإسلام وإعلانه . وقيل : ليأسه من وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتوحيد . فإن قلت : كيف يهرب من الأذان ويدنو من الصلاة وفيها القران ومناجاة الحق ؟ قلت : هروبه من الآذان ليأسه من الوسوسة ، كما ذكرناه ، وفي الصلاة ، يفتح له أبواب الوساوس . قوله : ( حتى لا يسمع التأذين ) ، الظاهر أن هذه الغاية لأجل إدباره ، وقال بعضهم : ظاهره أنه يتعمد إخراج ذلك إما ليشتغل بسماع الصوت الذي يخرجه عن سماع المؤذن ، وإما أنه يصنع ذلك استخفافا كما يفعله السفهاء قلت : الظاهر كما ذكرنا ، لأنه وقع بيان الغاية في رواية لمسلم من حديث جابر ، فقال : حتى يكون مكان الروحاء ، وحكى الأعمش عن أبي سفيان رواية عن جابر أن بين المدينة والروحاء ستة وثلاثون ميلاً ، قوله : ( فإذا قضي النداء ) ، بضم القاف على صيغة المجهول ، أسند إلى فاعله وهو النداء القائم مقام المفعول ، وروي على صيغة المعلوم ويكون الفاعل هو الضمير فيه ، وهو المؤذن ، والنداء منصوب على المفعولية ، والقضاء يأتي لمعان كثيرة ، وههنا بمعنى : الفراغ . تقول : قضيت حاجتي أي : فرغت منها أو بمعنى الانتهاء . قوله : ( اقبل ) زاد مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة : ( فوسوس ) قوله : ( حتى إذا ثوب بالصلاة ) ، بضم الثاء المثلثة وتشديد الواو المكسورة ، أي : حتى إذا أقيم للصلاة ، والتثويب ههنا الإقامة ، والعامة لا تعرف التثويب إلا قول المؤذن في صلاة الفجر : الصلاة خير من النوم ، حسب ، ومعنى التثويب في الأصل الإعلام بالشيء والإنذار بوقوعه ، وأصله أن يلوح الرجل لصاحبه بثوبه فيديره عند أمر يرهقه من خوف أو عدو ، ثم كثر استعماله في كل إعلام يجهر به صوت ، وإنما سميت الإقامة : تثويبا ، لأنه عود إلى النداء ، من : ثاب إلى كذا إذا عاد إليه ، وقال القرطبي : ثوَّب بالصلاة أي : أقام لها ، وأصله أنه رجع إلى ما يشبه الأذان ، وكل مردد صوتا فهو مثوب ، ويدل عليه رواية مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة : ( فإذا سمع الإقامة ذهب ) . قوله : ( حتى يخطر ) ، بضم الطاء وكسرها ، وقال عياض : ضبطناه من المتقنين بالكسر ، وسمعناه من أكثر الرواة بالضم ، قال : والكسر هو الوجه ، ومعناه : يوسوس ، من قولهم : خطر الفحل بذنبه إذا حركه يضرب به فخذيه ، وأما الضم ، فمن المروراي : يدنو منه فيما بينه وبين قلبه فيشغله عما هو فيه ، وبهذا فسره السراج ، وبالأول فسره الخليل ، وقال الباجي : فيحول بين المرء وما يريد يحاول من نفسه من إقباله على صلاته وإخلاصه . قال الهجري في ( نوادره ) : يخطر ، بالكسر ، في كل شيء ، وبالضم ضعيف . قوله : ( بين المرء ونفسه ) أي : قلبه ، وكذا وقع للبخاري من وجه اخر في بدء الخلق : وبهذا التفسير يحصل الجواب عما قيل : كيف يتصور خطورة بين المرء ونفسه ، وهما عبارتان عن شيء واحد ؟ وقد يجاب بأن يكون تمثيلاً لغاية القرب منه . قوله : ( أذكر كذا أذكر كذا ) ، هكذا هو بلا واو العطف في رواية الأكثرين ووقع في رواية كريمة بواو العطف ( اذكر كذا واذكر كذا ) و : كذا ، في رواية مسلم وللبخاري أيضا في صلاة السهو ، وزاد مسلم في رواية عبد ربه عن الأعرج ، ( فهناه ومناه وذكره من حاجته ما لم يكن يذكر ) . قوله : ( لما لم يذكر ) أي : لشيء لم يكن على ذكره قبل دخوله في الصلاة ، وفي رواية لمسلم : ( لما لم يذكر من قبل ) . قوله : ( حتى يظل الرجل ) ، بفتح الظاء أي : حتى يصير الرجل ما يدري كم صلى من الركعات ، ويسهو ، ورواية الجمهور بالطاء المثالة المفتوحة ومعناه في الأصل . . . المخبر عنه بالخبر نهارا لكنها ههنا بمعنى يصير كما في قوله تعالى * ( ظل وجهه ) * وقيل مهناه يبقى ويدوم ووقع عند الأصلي ( يضل ) بالضاد المكسورة أي ينسى ويذهب وهمه ويسهو قال الله تعالى : * ( أن تضل أحدهما ) * ( البقرة : 282 ) . وقال ابن قرقول : وحكى الداودي أنه روي : يضل ويضل ، من الضلال وهو الحيرة . قال : والكسر في المستقبل أشهر ، وقال القشيري : ولو روى هذا الرجل حتى يضل الرجل لكان وجها صحيحا ، يريد : حتى يضل الشيطان الرجل عن درايته كم صلى ؟ قال : لا أعلم أحدا رواه ، لكنه لو روي لكان وجها صحيحا في المعنى ، غير خارج عن مراد النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية للبخاري في صلاة السهو : إن يدري كم صلى ) ، وكذا في رواية أبي داود . وكلمة : إن ، بالكسر ، نافية بمعنى : ما يدري ، قال القاضي عياض : وروي بفتحها ، قال : وهي رواية ابن عبد البر ، وادعى أنها رواية أكثرهم ، وكذا ضبطه الأصيلي في